ساحة فلسطين تتسبب في أزمة سياسية بين صناع القرار بالدنمارك.. ما القصة؟

تمر عمليات تسمية الطرق والساحات في كوبنهاجن بالدنمارك في العادة بهدوء ودون إثارة انتباه الجمهور، حيث لا يلاحظ المواطنون التغيير إلا عند ظهور لافتة جديدة، عكس ما حدث خلال إطلاق اسم ساحة فلسطين على أحد الميادين.
فالأمر لم يمر مرور الكرام هذه المرة، فما حدث في منطقة نوربرو كان مختلفًا تمامًا، إذ شهدت بلديتها نقاشًا حادا استمر لأكثر من عام ونصف، انتهى بقرار إطلاق اسم ساحة فلسطين على إحدى ساحاتها، مما أدى إلى تصاعد التوترات السياسية.

اقتراح مثير للجدل
في شهر أغسطس 2023، تقدمت 4 أحزاب يسارية داعمة للقضية الفلسطينية هي «القائمة الموحدة، الشعب الاشتراكي، البديل، والراديكالي اليساري» بمقترح لتسمية إحدى ساحات نوربرو باسم ساحة فلسطين.
لكن بعد بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في 7 أكتوبر 2023، طالبت أحزاب المعارضة بتأجيل القرار، بحجة أن التوقيت قد يثير توترات سياسية بسبب الصراع القائم بين الاحتلال الإسرائيلي وفلسطين.
اقرأ أيضا..
إسرائيل تخطط لاستئناف العمليات العسكرية في قطاع غزة
وعلى الرغم من هذه الاعتراضات، رفعت الأحزاب اليسارية القضية إلى الهيئة العليا للمراقبة، التي رأت أن القرار لا يتعلق بالسياسة الخارجية، وأوصت بالمضي قدمًا في إجراءات التسمية.
وعند عرض القضية على بلدية كوبنهاجن في أكتوبر 2024 للاستشارة الفنية، تلقت البلدية 162 استفسارًا، كان معظمها مؤيدًا، إذ أعرب 153 شخصًا عن دعمهم مقابل 9 اعتراضات فقط، ما دفع لجنة التكنولوجيا والبيئة إلى الموافقة رسميًا على المقترح.

تصويت حاسم رغم الانقسام
شهد مجلس بلدية كوبنهاجن تصويتًا حاسمًا، حيث أيدت الأغلبية القرار بـ29 صوتًا من أصل 55، ما أتاح إقرار التسمية رسميًا، على أن تدخل حيز التنفيذ في 1 أبريل المقبل.
محاولات منع القرار
حاولت بعض الأطراف منع القرار بحجة أنه مرتبط بالسياسة الخارجية، لكن وفقًا لعضو في الحزب الراديكالي اليساري، فإن منطقة نوربرو ذات طبيعة متعددة الثقافات، وساحة فلسطين تمثل اعترافًا بمساهمات هذه المجتمعات في الحياة الثقافية في كوبنهاجن، كما تساهم في تعزيز الحوار حول القضايا الشائكة، بدلًا من تجاهلها، ما قد يؤدي إلى مصالحة مجتمعية أوسع.

بينما قال عيسى طه، نائب رئيس المنتدى الفلسطيني في الدنمارك، أن هذا القرار يحمل رمزية سياسية قوية، إذ يعكس صورة أخرى للصراع حول القضية الفلسطينية في الدنمارك.
وأشار إلى أن الدعم الشعبي للفلسطينيين تضاعف بعد جرائم الإبادة الجماعية من قبل الاحتلال الإٍسرائيلي للمدنيين في غزة، وامتد إلى المجالات القانونية، الحقوقية، والإغاثية.
اقرأ أيضا..
استهدف أجهزة أمنية حساسة.. هجوم إلكتروني يكشف هويات حاملي الأسلحة بالأراضي المحتلة
واعتبر عيسى أن قرار تسمية ساحة فلسطين يشكل صفعة للمؤيدين للاحتلال الذين يزعمون أن الدنمارك تدعم إسرائيل، مشيرًا إلى أن 3 منظمات غير حكومية «أمنستي، أوكسفام، وأكشن إيد» رفعت دعوى قضائية ضد الحكومة الدنماركية بسبب تصديرها السلاح لإسرائيل.
الحراك الشعبي ودوره في إنجاح المشروع
شهدت القضية الفلسطينية دعما شعبيا في الدنمارك ظهر في عدة مناسبات، إذ يوضح الناشط الدنماركي نيلز بريك أن هناك فجوة بين مواقف السياسيين ورأي الشارع.

مشيرا إلى أن حركة التضامن مع فلسطين نظمت مظاهرات أسبوعية لأكثر من عام، ما ساهم في تهيئة المناخ السياسي لتسمية ساحة فلسطين، مؤكدا على أن الحركة لعبت دورًا هامًا في تصحيح الروايات الإعلامية حول الأحداث، خاصة في مواجهة الدعاية الإسرائيلية، لضمان إيصال الحقيقة إلى الشعب الدنماركي.
ساحة فلسطين تتحول إلى رمز سياسي
على الرغم أن ساحة فلسطين ليست كبيرة المساحة، إلا أنها تحولت إلى رمز سياسي يعكس موقف جزء كبير من المجتمع الدنماركي تجاه القضية الفلسطينية.

قرار تسمية ساحة فلسطين الذي جاء بدعم شعبي ورسمي، يعكس تغيرًا في المزاج العام، حيث بات التضامن مع فلسطين أكثر وضوحًا، رغم الخلافات السياسية المستمرة بين الأحزاب، وسيكون لهذا القرار تأثيرا أوسع على السياسيات الدنماركية تجاه القضية الفلسطينية في المستقبل.