"إحنا في رمضان".. كلمات أخيرة لشهيد الشهامة تهز الوراق

لم يكن إبراهيم، الطالب الجامعي العشريني، يتوقع أن تصبح كلماته الأخيرة عنوانا لمأساة تهز منطقة الوراق بمحافظة الجيزة.
قبل دقائق من السحور، وفي ليلة رمضانية هادئة، توقفت مركبة "توك توك" عند ناصية الشارع، وتعالت منها ضحكات صاخبة.
بادر الشاب بتنبيه ركابها إلى احترام حرمة الشهر الكريم، دون أن يدرك أن كلماته ستشعل فتيل غضب لم يهدأ إلا بطعنة نافذة في القلب.
لحظات سبقت الجريمة
وفقا لشهود عيان، كان إبراهيم، الطالب بكلية الحقوق في جامعة حلوان، يقف عند ناصية الشارع عندما توقفت مركبة "توك توك" بداخلها شابان وفتاتان، يتبادلون المزاح بصوت عالي.
لم يكن في الأمر ما يثير القلق، سوى أن الوقت كان متأخرا، والحي يعج بالعائدين من صلاة التراويح، فيما تمر السيدات في طريقهن إلى المنازل استعدادا للسحور.
"إحنا في رمضان.. كده ما ينفعش"، قالها الشاب بهدوء، موجها حديثه إلى ركاب المركبة، دون أن يعلم أن جملته البسيطة ستكون السبب في مقتله بعد دقائق.
أحد الجالسين في "التوك توك"، والذي تبين لاحقا أنه جزار يدعى نصر، لم يتقبل الملاحظة، توقف عن الضحك، ترجل من المركبة، وتوجه نحو إبراهيم بحدة.
مشادة قصيرة.. وهدوء خادع
في أقل من دقيقة، تصاعد التوتر بين الاثنين، واشتد النقاش حتى تحول إلى اشتباك بالأيدي.
تدخل بعض المارة لفض المشادة، وابتعد إبراهيم بضع خطوات، بينما عاد الجزار أدراجه نحو منزله القريب.
بدا للجميع أن الموقف انتهى عند هذا الحد، لكن القاتل كان يخطط لشيء آخر.

العودة بسكين الجزارة
لم تمض سوى لحظات حتى عاد نصر، لكن هذه المرة لم يكن أعزل، في يده سكين جزارة حاد، ولم يكن في نيته الدخول في مشادة أخرى.
توجه مباشرة إلى إبراهيم، غرس السكين في صدره، وسحبها سريعا، ثم اختفى وسط زحام الشارع، تاركا جسد الشاب يسقط على الأرض.
"الطعنة كانت قاتلة"، يروي أحد الشهود، مشيرا إلى أن الجميع وقفوا في صدمة، بينما كان دم إبراهيم ينساب على الإسفلت.
لم يصرخ أحد، ولم تكن هناك فرصة لإنقاذه، نقل سريعا إلى المستشفى في محاولة أخيرة لإبقائه على قيد الحياة، لكن الطاقم الطبي لم يحتج إلى وقت طويل لإعلان وفاته.
القاتل يعترف: "ماكنتش قاصد"
بعد ساعات من الحادث، ألقت قوات الأمن القبض على الجزار، الذي لم يحاول الفرار.
في التحقيقات الأولية، لم ينكر جريمته، لكنه حاول تبريرها قائلا: "استفزني بكلامه.. حسيته بيتكلم من فوق، فكنت عاوز أربيه".
ورغم محاولته التخفيف من وقع جريمته، إلا أن النيابة العامة وجهت إليه تهمة القتل العمد، وأمرت بحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيقات.
"كان سندي الوحيد"
في منزل العائلة، لم تكن والدة إبراهيم قادرة على الحديث طويلا، جلست في زاوية صغيرة، تمسك إبرة خياطة، وكأنها تحاول استعادة يومها العادي، لكنها في كل مرة تعود بذاكرتها إلى اللحظة التي سمعت فيها صرخات الجيران.
"ابني كان حافظ القرآن.. كان بيساعدني في مصاريف البيت"، قالت بصوت متقطع، قبل أن تنهار: "كان رايح يجيب لي السحور.. رجع لي ملفوف في كفن".
في انتظار العدالة
الحي لا يزال تحت وقع الصدمة؛ على جدران المنازل، علقت صور إبراهيم، وأطلق عليه البعض لقب "شهيد الشهامة".
في ذاكرة من شهدوا الحادث، لا تزال كلماته الأخيرة تتردد في الأذهان: "إحنا في رمضان.. كده ما ينفعش".