زيارة الدروز السوريين إلى إسرائيل.. أبعاد دينية أم حسابات سياسية؟

عبَر وفد يضم نحو ستين رجل دين من الدروز السوريين خط الهدنة في مرتفعات الجولان المحتل إلى إسرائيل الجمعة، في أول زيارة من نوعها منذ حوالي خمسين عاما.
تبرز هذه الخطوة دعم إسرائيل للطائفة الدرزية وسط تصاعد التوترات مع الحكومة السورية الجديدة في دمشق.
ووصل الوفد في ثلاث حافلات رافقتها مركبات عسكرية إسرائيلية إلى بلدة مجدل شمس في الجولان السوري، وتوجه شمالا للقاء الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في إسرائيل الشيخ موفق طريف، ثم توجه الوفد إلى زيارة مقام النبي شعيب في بلدة جولس بالقرب من طبريا.

واستقبل الزوار نحو مئة درزي ورحبوا بهم عبر ترديد الأغاني التراثية والتصفيق فيما لوح عدد من الشباب بالرايات الدرزية باللون الأخضر والأحمر والأصفر والأزرق والأبيض.
وارتدى بعض الرجال الزي الأسود التقليدي واعتمروا عمامة بيضاء تشبه الطربوش وتتميز بغطائها الأحمر.
لكن الزيارة لقيت معارضة شديدة داخل المجتمع السوري، علما أن الدروز يمثلون أقل من 3% فقط من عدد سكان سوريا.
وفي بيان شديد اللهجة، أدان أهالي قرية حضر التي يسكنها سوريون دروز هذه الزيارة، معتبرين أنها جاءت تلبية لدعوة جهات موالية للاحتلال، وأن إسرائيل تستغل الجانب الديني لزرع الانقسام في الصف الوطني.
الدروز بين الانتماء والتباين في المواقف
يشار إلى أن الطائفة الدرزية، هي أقلية عربية تعتنق ديانة ذات جذور مستمدة من الإسلام، ويتوزّعون بين لبنان وإسرائيل والجولان المحتل وسوريا، ولاسيما في محافظة السويداء المجاورة للقنيطرة في الجنوب.
ويقيم في إسرائيل والجولان المحتل حوالي 150 ألف درزي، وأغلبهم في إسرائيل يحملون الجنسية الإسرائيلية ويعملون في صفوف الجيش والشرطة، وقد تمكن بعضهم من الوصول إلى رتب عسكرية رفيعة.
أما أغلب المقيمين في الجولان المحتل، والبالغ عددهم 23 ألفا، لا يحملون الجنسية الإسرائيلية وما زالوا يعتبرون أنفسهم مواطنين سوريين.
احتلت إسرائيل معظم مرتفعات الجولان عام 1967، وأعلنت ضمها عام 1981، في خطوة لم تعترف بها سوى الولايات المتحدة.
وتأتي زيارة الوفد في وقت عبّرت فيه إسرائيل عن دعمها للدروز في سوريا وعدم ثقتها بقادة البلاد الجدد.

إسرائيل تعزز دعمها
وعقب الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي شنت إسرائيل المئات من الغارات الجوية على سوريا وتوغلت قواتها في المنطقة العازلة منزوعة السلاح في الجولان جنوب غرب سوريا.
وفي وقت سابق، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إنه إذا أقدم النظام السوري على المساس بالدروز فإن إسرائيل ستؤذيه، وذلك إثر اشتباكات محدودة في مدينة جرمانا الواقعة في ضاحية دمشق والتي يقطنها دروز ومسيحيون.
وأبدى قادة ومرجعيات دينية درزية رفضهم لهذه التصريحات الإسرائيلية، وأكدوا تمسكهم بوحدة سوريا.
وتجرى حاليًا محادثات بين ممثلين عن طائفة الدروز والإدارة الجديدة في سوريا للتوصل إلى اتفاق يضمن دمج فصائلهم المسلحة في وزارة الدفاع السورية.
أبعاد سياسية
وعلى الرغم من أن الزيارة تهدف إلى تحقيق غايات دينية بحتة، إلا أن سياقها السياسي بدا واضحًا، خصوصًا أنها جاءت بعد يوم واحد من شنّ إسرائيل غارات جوية استهدفت مراكز قيادة تابعة لحركة الجهاد الإسلامي المدعومة من إيران في دمشق.
وفي إطار دعمها للدروز في سوريا، أرسلت إسرائيل الخميس، شاحنات محملة بالمساعدات، بما في ذلك النفط والدقيق والملح والسكر، معظمها موجه إلى محافظة السويداء جنوب سوريا.
وفي مارس الجاري، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، أن الدروز السوريين سيسمح لهم بدخول مرتفعات الجولان للعمل فيها، وهو ما اعتُبر خطوة إضافية في إطار الدعم الإسرائيلي المستمر للطائفة الدرزية.
تحولات داخلية
وقال محللون سياسيون لـ"تفصيلية"، إن كسر حاجز المقاطعة من شيوخ الطائفة يأتي امتدادًا لتغييرات كبيرة تشهدها المنطقة وتمسّ العديد من الثوابت السياسية والاجتماعية.
ويرى المحلل السياسي أيمن التميمي، أن تزامن الزيارة مع التوترات الطائفية في سوريا يوحي بأن الهدف هو البحث عن الأمان من خلال توحيد الطائفة وتمتين الروابط بين أبنائها في إسرائيل وسوريا.
ومؤخرًا، شهدت سوريا مجازر مروعة ضد العلويين في الساحل، واستفزاز الدروز من خلال محاصرة مدينة جرمانا ومحاولة فرض القبضة الأمنية عليها.
الدلالات السياسية
وعن الدلالات السياسية لزيارة وفد من الدروز السوريين إلى إسرائيل، قال المحلل السياسي أحمد كامل بحيري إنها خطوة مثيرة للجدل وخطيرة على وحدة الدولة السورية.
وأشار بحيري إلى بيان تحذيري أصدره الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط فور تداول أنباء الزيارة، حيث أكد فيه رفضه القاطع لمثل هذه التحركات.
وأوضح أن هناك أكثر من شيخ عقل داخل الطائفة الدرزية، إلا أن الدول تعترف رسميًا بزعيم ديني واحد فقط.
ففي سوريا، كان هناك شيخ عقل معتمد من الدولة منذ عام 2006، واستمر في منصبه حتى خمس سنوات مضت، قبل أن يتم تعيين شيخ جديد.
أما في لبنان، فقد شهدت الطائفة الدرزية انقسامًا مماثلًا، حيث تم تعيين شيخ عقل محسوب على جنبلاط، رغم وجود تيار درزي آخر دعم شخصية دينية مختلفة، إلا أن الدولة اللبنانية اعتمدت رسميًا الشيخ المقرب من جنبلاط.
الانتماء والانقسامات الداخلية
ولفت بحيري إلى أن الدروز ينتمون إلى مذهب ديني مشتق من الطائفة الإسماعيلية، حيث تتنوع توجهاتهم الدينية بناءً على قيادة كل شيخ عقل.
وبيّن أن هناك خلافًا داخل سوريا، حيث يميل أحد شيوخ العقل إلى التقارب مع السلطة في دمشق، في حين يرفض آخر هذا النهج.
التعامل مع إسرائيل
وتابع بحيري أن المسألة لا تتعلق بالمعتقدات الدينية للطائفة، وإنما بمسألة التعامل مع إسرائيل، مشددًا على أن أي تواصل معها مرفوض تمامًا، بغض النظر عن الانقسامات الداخلية داخل الدول.
واعتبر أن ربط الزيارة بالخلافات الدرزية الداخلية غير مقبول، معتبرًا أنها خطوة تشكل خطرًا على وحدة سوريا كدولة.
ونوه بحيري بأن العديد من الدروز في الجولان المحتل لا يزالون متمسكين بهويتهم السورية.
وأكد أن تصوير الدروز وكأنهم يتعاملون مع إسرائيل بشكل عام هو أمر غير دقيق، إذ أن هناك أصواتًا درزية معارضة سواء للإدارة السورية أو للاحتلال الإسرائيلي.