على العهد باقون.. مصر والأردن في معركة الحقوق الفلسطينية

في قلب العاصفة التي تحاول اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه، تقف مصر والأردن كحائط صد منيع، تؤكدان بثبات: هذه الأرض لأهلها، والحق لا يسقط بالتقادم، والتهجير جريمة لن تمر.
ومنذ 7 أكتوبر 2023، ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي، تعالت الأصوات المطالبة بتهجير الفلسطينيين، لكن القاهرة وعمان كان لهما موقف حاسم: لا لطمس الهوية، لا لإعادة رسم الخارطة الديموغرافية للوطن المسلوب.
وفي ظل هذا المشهد المحتدم، لم يكن الصمت خيارًا، بل كانت الكلمات مدعومة بالأفعال، فمن القاعات الدبلوماسية إلى ميادين الدعم الإنساني، أكدت الدولتان أن فلسطين ليست ورقة تفاوض، وأن الحل الوحيد هو تمكين شعبها من العيش في أرضه.
تنسيق سياسي
يُشكّل التنسيق السياسي بين القاهرة وعمان حجر الزاوية في الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية، حيث تعقد الدولتان اجتماعات دورية بين قيادتيهما ومسؤوليهما الدبلوماسيين للتشاور حول تطورات الوضع الفلسطيني.
الاستيطان الذي يلتهم الأرض، تهويد القدس الذي يطمس الهوية، والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، كلها ملفات تتصدر أولويات القاهرة وعمان، حيث يؤكد البلدان أن الحق الفلسطيني ليس ورقة للمساومة، وقضية لا تموت مهما اشتدت العواصف.
في محطات الزمن المتلاحقة، لم تكن اللقاءات بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والملك عبد الله الثاني مجرد اجتماعات رسمية، بل كانت جسورًا من المواقف الثابتة، وميثاقًا عربيًا لا يتبدل، وتعهدات راسخة: دعم الحقوق الفلسطينية واجب، وإيجاد حل سياسي عادل وشامل ضرورة لا تقبل التأجيل.
في كل لقاء، كانت الرسالة واضحة للعالم، والموقف لا لبس فيه: لا استقرار في المنطقة دون حل الدولتين، ولا عدل دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
وبين أروقة السياسة وأجندات القوى الكبرى، كانت القاهرة وعمان تدفعان بالعالم نحو المسار الصحيح، لتبقى فلسطين في صدارة الأولويات، قضية لا تنطفئ جذوتها، وحقًا لن يُمحى مهما طال الزمن.
رفض تهجير الفلسطينيين
ويتجلى عمق التنسيق المصري الأردني في الرفض المشترك لمشاريع تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية أو قطاع غزة إلى القاهرة أو عمان، فقد أكدت الدولتان مرارًا أن هذه المخططات مرفوضة تمامًا لأنها تهدد الأمن القومي للبلدين، وتخالف المواثيق الدولية التي تحمي حقوق اللاجئين.
ومنذ حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، يرفض البلدان أي محاولة لإعادة رسم الخارطة الديموغرافية لفلسطين، مشددين على أن الحل الوحيد هو تمكين الفلسطينيين من العيش في وطنهم.
وفي مواجهة الضغوط والمقترحات التي تحاول إعادة صياغة الواقع، جاء الرد المصري الأردني حازمًا: لا تهجير، لا إعادة إعمار لغزة دون أهلها، لا مساس بالحق التاريخي لأبناء الأرض.
في 11 فبراير الجاري، خلال اجتماع في البيت الأبيض، اقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على العاهل الأردني استقبال فلسطيني غزة ضمن خطته لإعادة تطوير المنطقة، إلا أن الملك عبد الله رفض الفكرة جملةً وتفصيلًا، مؤكدًا أن الحل يجب أن يكون داخل فلسطين، لا خارجها.
وجاء صوت القاهرة قويًا لا يتزعزع، إذ أعلنت مصر عن خطتها لإعادة إعمار غزة، بما يضمن بقاء الفلسطينيين في أراضيهم، في رسالة واضحة للعالم: أي محاولة لتغيير التركيبة السكانية ستُواجَه بالرفض والمقاومة السياسية والدبلوماسية.
وجاءت الإشادة من الداخل الفلسطيني، حيث عبّرت حركة حماس عن تقديرها لمواقف مصر والأردن، مؤكدة أن الخطة العربية لإعمار غزة دون المساس بسكانها هي خطوة في الاتجاه الصحيح.
دعم إنساني لغزة
وسط لهيب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، كانت مصر والأردن أول من مدّ يد العون، في مواجهة مأساة إنسانية تتجدد مع كل قصف.
فتحت مصر معبر رفح، ليس كممر عابر، بل كشريان حياة للفلسطينيين، تدفقت القوافل المحمّلة بالمساعدات الطبية والغذائية، وتوافدت قوافل الجرحى إلى المستشفيات المصرية.
وفي قلب المعاناة، لم يكن الأردن بعيدًا عن المشهد، بل كان حاضرًا، سارع بإرسال قوافل طبية إلى غزة، وأنشأ مستشفى ميدانيًا وسط الدمار، لتقديم الرعاية الصحية للمصابين.
لم تتوقف جهود الأردن عند هذا الحد، بل أطلق حملة مساعدات إنسانية ضخمة تحت إشراف قواته المسلحة، لتصل الإغاثة إلى من فقدوا كل شيء، إلا إيمانهم بأن هناك من لم يتخلَّ عنهم.
دور دبلوماسي فاعل
في ساحات الدبلوماسية، حيث تُصاغ القرارات وتُرسم السياسات، تقف مصر والأردن صوتًا عربيًا لا يهدأ، مدافعين عن القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة والجامعة العربية ومجلس الأمن، حاملين في أروقة المحافل الدولية صوت الأرض وأهلها، ساعيين لحشد التأييد العالمي لحق لا يسقط بالتقادم.
وبذلت الدولتان جهودًا حثيثة، ومساعٍ لا تعرف التراجع، لوقف التصعيد الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، خاصة في القدس وغزة، حيث تتعالى أصوات القهر، لكن في المقابل، تتعالى الأصوات الرافضة للظلم من القاهرة وعمان، مطالبة بوقف العدوان، وحماية الأبرياء.
كما كان لمصر والأردن دور بارز في دعم قرارات الأمم المتحدة التي تدين الاستيطان الإسرائيلي، وتطالب بإجراءات لحماية الشعب الفلسطيني من الانتهاكات المتكررة.
دعم القدس
إلى جانب الدور السياسي والدبلوماسي، يمتد التنسيق بين مصر والأردن إلى ميادين الثقافة والدين، حيث تتجلى روح المسؤولية التاريخية في دعم المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
يحمل الأردن مفتاح الوصاية الهاشمية على المسجد الأقصى، حارسًا لعروبته، وسدًا منيعًا أمام محاولات التهويد، فيما تبقى مصر حاضرة بدورها العريق، داعمة للأوقاف الإسلامية والمسيحية، ومؤكدة أن هوية القدس لا تخضع للمساومة.
صمام الأمان العربي
وفي مشهد تتكشف فيه المخططات التي تهدد الوجود الفلسطيني، تُشكّل القاهرة وعمان صمام الأمان العربي وحائط الصد الأول في وجه رياح التهجير، وفق خبير العلاقات الدولية أحمد سيد أحمد.
وأكد أحمد لـ"تفصيلة"، أن التطابق في الرؤى والمواقف بين مصر والأردن يمثل قوة قادرة على تغيير التوجهات الأمريكية والإسرائيلية الساعية لتصفية القضية الفلسطينية.
وبدعم أمريكي، ارتكبت إسرائيل - بين السابع من أكتوبر 2023 و19 يناير 2025 - إبادة جماعية في غزة خلّفت أكثر من 158 ألف شهيد وجريح فلسطيني معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 14 ألف مفقود.
وأجبرت حرب الإبادة الإسرائيلية نحو مليونين من مواطني قطاع غزة البالغ عددهم حوالي 2.3 مليون فلسطيني، على النزوح في أوضاع مأساوية مع شح شديد متعمد في الغذاء والماء والدواء.