ورقة المساعدات.. ترامب يضغط على مصر لاستقبال فلسطينيين وسط حراك مضاد

لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقطع المساعدات عن الأردن ومصر، إذا لم تمتثلا لطلبه باستقبال الفلسطينيين من قطاع غزة الذي دمرته الحرب الإسرائيلية خلال 16 شهرًا.
وكرر ترامب، في تصريحات للصحفيين في البيت الأبيض، الاثنين، مقترحه لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى مصر والأردن، ملوّحا هذه المرة بقطع مساعدات عن البلدين.
وتتشبث القاهرة وعمان برفض تهجير فلسطيني غزة خارج أرضهم إلى أي دولة أخرى، وانضمت إليهما دول عربية وإسلامية، ومنظمات إقليمية ودولية.
وزعم ترامب أن سكان غزة يريدون الخروج من القطاع إذا وفرنا لهم مكانًا مناسبًا، وهناك دولًا يمكنها توفير ذلك، وأعتقد أن الأردن سيستقبل فلسطينيين من غزة.
ومن المقرر أن يلتقي ترامب بالعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في واشنطن اليوم الثلاثاء.
وقبيل لقاء ترامب، أكد عاهل الأردن في اجتماع مع مستشار الأمن القومي الأمريكي مايك والتز، في واشنطن، ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية، مشددًا ضرورة تحقيق السلام العادل والشامل على أساس حل الدولتين.
وذكر ترامب أيضًا أن الفلسطينيين لن يتمكنوا من العودة إلى منازلهم في غزة بعد إعادة إعمار القطاع بموجب خططه الجديدة.
وأبدى عدد كبير من فلسطيني غزة البالغ عددهم نحو 2.2 مليون رفضهم القاطع لمغادرة القطاع حتى بعد ما يقرب من 16 شهرًا من الحرب.

المساعدات الأمريكية
كما زعم ترامب أنه يمكنه التوصل إلى صفقة بشأن نقل الفلسطينيين من غزة مع مصر والأردن، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تمنح البلدين مليارات الدولارات سنويا.
وقدمت الولايات المتحدة للأردن ما يقرب من 1.7 مليار دولار من المساعدات الخارجية في السنة المالية 2023، وهي أحدث فترة تتوفر فيها بيانات كاملة، كما قدمت لمصر نحو 1.5 مليار دولار، وفق موقع المساعدات الخارجية للحكومة الأمريكية.
والاثنين، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أمام الكنيست، أن ترامب عازم على تنفيذ خطته بشأن تهجير فلسطينيي قطاع غزة إلى دول أخرى.
ومنذ 25 يناير الماضي، يروج ترامب لمخطط تهجير فلسطينيي غزة إلى دول مجاورة مثل مصر والأردن، قبل أن يكشف في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض إلى جوار نتنياهو، عزم الولايات المتحدة الاستيلاء على القطاع.
وحظيت خطة ترامب لتهجير فلسطينيي غزة بإشادة أعضاء اليمين المتطرف في إسرائيل، ووصفوها بأنها الضوء الأخضر للاحتلال الإسرائيلي الكامل للقطاع وبناء المستوطنات.
يأتي هذا في ظل رفض عربي وإسلامي ودولي واسع لخطة ترامب التي تتناقض مع حق الفلسطينيين في أرضهم، وتفتح الباب أمام انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني.
اتفاقية السلام في خطر
وفي مواجهة خطة ترامب، تتحرك مصر وراء الكواليس في اتجاه مغاير لتثبيت الحقوق الفلسطينية، مع بدء إسرائيل تحضيراتها لمغادرة أعداد كبيرة من الفلسطينيين لقطاع غزة.
وتماهيًا مع مخطط ترامب، أمر وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس جيش الاحتلال بإعداد خطة لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة.
وأبلغت مصر إدارة ترامب ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) والخارجية الأمريكية وأعضاء من الكونجرس وإسرائيل والحلفاء الأوروبيين، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا وألمانيا، أنها ستقاوم أي مقترح لطرد الفلسطينيين، وأن اتفاقية السلام مع إسرائيل، والتي صمدت لقرابة نصف قرن، ستكون في خطر، وفق وسائل إعلام أمريكية.
توترات في البيت الأبيض
ذكرت وسائل إعلام أمريكية، أن مسؤولين عن الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية أبلغوا البيت الأبيض بعدم إمكانية إقناع مصر باستقبال فلسطينيين من قطاع غزة.
جاء ذلك وسط استعداد إدارة ترامب لزيادة الضغوط على القاهرة لتنفيذ هذه الخطوة في تجاهلٍ لتحذيرات الدبلوماسيين الأمريكيين بأن القاهرة لن تخضع للضغوط المالية.

موقف ثابت
وسبق أن شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة على رفضه أي شكل من أشكال تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، مؤكدًا أن القاهرة لن تتخلى عن ثوابت الموقف المصري التاريخي للقضية الفلسطينية.
وأكد الرئيس السيسي عزمه العمل مع نظيره الأمريكي لتحقيق حل الدولتين، وإرساء السلام العادل في الشرق الأوسط.
وفي الأثناء، جدد السيسي، تأكيده على ضرورة بدء عمليات إعادة إعمار قطاع غزة بهدف جعله قابلًا للحياة، دون تهجير سكانه الفلسطينيين وبما يضمن الحفاظ على حقوقهم ومقدراتهم في العيش على أرضهم.
وقال الرئيس السيسي، في اتصال هاتفي مع رئيسة وزراء الدنمارك ميتا فريدريكسن، الثلاثاء، إن إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو1967 وعاصمتها القدس الشرقية، هو الضمان الوحيد للتوصل إلى السلام الدائم وتحقيق الاستقرار والرخاء الاقتصادي.
نسف أسس السلام
وأمس، طالبت مصر، المجتمع الدولي بتبني نهج يراعي حق الشعب الفلسطيني في العيش بسلام على أرضه، محذرة من أن تجاهل الشرعية الدولية في التعاطي مع أزمات المنطقة يهدد بنسف أسس السلام، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية.
وأكدت أن السبيل الوحيد لمواجهة المخاطر والتهديدات التي يتعرض لها السلم والأمن الإقليميين والدوليين الناتجة عن الاحتلال الإسرائيلي، والعدوان الإسرائيلي الأخير على غزة وتداعياته، هو تبني المجتمع الدولي لنهج يراعي حقوق جميع شعوب المنطقة بدون تفرقة أو تمييز، بما في ذلك الشعب الفلسطيني الذي يعاني من إجحاف غير مسبوق بحقوقه الأساسية.
كما دعت مصر المجتمع الدولي بمختلف مكوناته الدولية والإقليمية إلى التوحد وراء رؤية سياسية لتسوية القضية الفلسطينية، وعلى أن تتأسس هذه الرؤية على ضرورة إنهاء الظلم التاريخي الذي تعرض له الشعب الفلسطيني، وما زال يتعرض له، واستعادة هذا الشعب لحقوقه المشروعة غير القابلة للتصرف.
وتمسكت مصر في هذا السياق بموقفها الرافض للمساس بتلك الحقوق، بما فيها حق تقرير المصير والبقاء على الأرض والاستقلال، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين أجبروا على ترك وطنهم، مؤكدة اعتزامها الاستمرار في التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين للتوصل إلى السلام الشامل والعادل في المنطقة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

تنسيق عربي
وقال نائب الأمين العام للجامعة العربية حسام زكي، الثلاثاء، إن خطة ترامب بشأن غزة تحتاج إلى تنسيق في التعامل معها، لأن التجربة علمتنا كعرب أن التعامل الذي لا يوجد فيه تنسيق يؤدي لاستقواء الطرف الآخر، وهناك درجة مهمة من التنسيق تجري حاليًا من جانب الدول المعنية.
وأضاف زكي على هامش القمة العالمية للحكومات في دبي، أن كل الاحتمالات واردة في الوضع الحالي وما يطرحه ترامب بشأن غزة يحتاج لحكمة في التعامل معه، وأتمنى ألا تذهب الضغوط لمستوى آخر.
موقف عربي موحد
وأوضح أن الأمر يخص كل العرب، لكن يخص أكثر دول الجوار المباشر لفلسطين مثل مصر والأردن، وترامب ذكرهما بشكل مباشر والحديث أصبح فيه تهديد وتلويح بعقوبات، والتعامل الأفضل معه ليس بتجاهله، وإنما من خلال تناغم عربي كامل وخطة عربية لإعادة إعمار قطاع غزة بشكل سريع وباستخدام اليد العاملة الفلسطينية المتواجدة في القطاع بما يجهض أي خطط لترحيل الفلسطينيين.
وشدد زكي على أن هناك موقف عربي موحد، فالموقف المصري والأردني في منتهى القوة، والموقف الخليجي عمومًا مؤيد بالكامل لهذه المواقف، وكذلك الموقف في بلاد المشرق وشمال أفريقيا، فكل الدول العربية تسير في نفس الخط، لأن الجميع يدرك أن الموقف لو تفسخ قليلًا سيسقط بالكامل.
أوراق مصر
رأى وزير الخارجية الأسبق محمد العرابي، أن الموقف المصري أكثر حزمًا هذه المرة لأن الهجمة شرسة وتحتاج قدرًا من تحديد المواقف أكثر من أي وقت مضى.
وأكد العرابي لـ"تفصيلية" أن المواقف المصرية ثابتة وتاريخية وتؤكد أن القاهرة لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء محاولة تصفية القضية الفلسطينية.
وشدد على أهمية التركيز أكثر على حشد كل الجهود العربية والإسلامية والدولية ضد المخططات الحالية.
وذكر العرابي أن جبهة الرفض العربية والدولية التي تشكلها القاهرة من الوارد أن تنجح في إثناء ترامب عن مقترحه رغم أنه عنيد، وسط بدائل أخرى ليس من بينها حاليا المساس باتفاقية السلام مع إسرائيل.
وتابع أن مصر دولة سلام وتتحرك بإجراءات مسؤولة من بينها زيارة وزير الخارجية إلى واشنطن في إطار حملة لمواجهة خطة ترامب، ولديها أوراق أخرى لوقف هذا المخطط.
حملة داخل واشنطن
ويقود وزير الخارجية بدر عبد العاطي، جهودًا مصرية في الولايات المتحدة بهدف الضغط على صانعي القرار لوقف مخطط ترامب تهجير الفلسطينيين من غزة.
وعقد وزير الخارجية سلسلة مباحثات أبرزها مع نظيره الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن، تطرقت إلى التطورات الإقليمية وعلى رأسها مستجدات الأوضاع في قطاع غزة.
وأكد عبد العاطي، موقف القاهرة الثابت من أهمية تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني والعمل على التنسيق مع الإدارة الأمريكية لتحقيق سلام عادل في الشرق الأوسط يستجيب لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وعلى رأسها إقامة دولة مستقلة على ترابه الوطني.
وبدعم أمريكي، ارتكبت إسرائيل بين 7 أكتوبر 2023 و19 يناير 2025، إبادة جماعية في قطاع غزة، خلّفت نحو 160 ألف شهيد وجريح من الفلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 14 ألف مفقود.