رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس التحرير
عبدالعظيم حشيش
رئيس التحرير
معتز سليمان

الاستيلاء على غزة.. العالم يحاول استيعاب صدمة ترامب

العلم الفلسطيني على
العلم الفلسطيني على أنقاض المنازل في قطاع غزة

في وقت بدأ فيه نحو مليون فلسطيني العودة من جنوب قطاع غزة إلى منازلهم المدمرة في شماله في نهاية يناير الماضي، صدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم بالإفصاح علنًا عن واقع مغاير تمامًا وهو إعادة إعمار غزة، لكن دون فلسطينيين، وذلك بنقلهم إلى الأردن أو مصر، رغم عدم قبولهما بذلك أو حتى دول أخرى.

وأثارت خطة الرئيس الأمريكي بأن تتولى الولايات المتحدة السيطرة على قطاع غزة احتجاجًا فلسطينيًا ورفضًا عربيًا وإقليميًا ودوليًا واسعًا.

وهو الاقتراح الذي من شأنه أن ينطوي على طرد 2.2 مليون نسمة من سكان غزة التي أبادتها الحرب الإسرائيلية خلال 16 شهرًا بشكل دائم إلى دولة أخرى.

جاء إفصاح ترامب عزم بلاده الاستيلاء على قطاع غزة خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مساء الثلاثاء بتوقيت واشنطن، عقب مباحثات ثنائية جرت في البيت الأبيض.

 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب
 رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ويروج ترامب منذ 25 يناير الماضي لمخطط نقل فلسطينيي غزة إلى دول مجاورة مثل مصر والأردن، وهو الأمر الذي رفضه البلدان، وانضمت إليهما دول عربية أخرى، ومنظمات إقليمية ودولية.

ويعد أي اقتراح بتهجير الفلسطينيين من غزة، التي يأملون أن تصبح جزءًا من دولة مستقلة، أمرًا مرفوضًا بشدة من القيادة الفلسطينية منذ عقود.

رفض سعودي

وفي حين زعم ترامب أن السعودية ستكون مفيدة للغاية لخططه في الشرق الأوسط، ولن تشترط التطبيع مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية، رفضت المملكة أي مساس بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني سواء من خلال سياسات الاستيطان الإسرائيلية أو ضم الأراضي أو محاولات تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه.

وقالت الرياض، في بيان، إنها لن تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل - وهو هدف طويل الأمد لواشنطن - دون إقامة دولة فلسطينية.

وشددت على أن موقف المملكة من قيام الدولة الفلسطينية راسخ وثابت ولا يتزعزع، وليس محل تفاوض أو مزايدات، وسبق إيضاحه للإدارة الأمريكية السابقة والإدارة الحالية.

الصين ترفض

وبعد فترة وجيزة من اقتراح ترامب، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، إن المبدأ الأساسي للحكم في غزة بعد الحرب هو أن يحكم الفلسطينيون فلسطين.

وأكد جيان في بيان رفض بلاده القاطع التهجير القسري لشعب غزة، مؤكدًا دعم الصين لحل الدولتين.

وكانت بكين قد توسطت في إعلان الوحدة الفلسطينية العام الماضي لتعزيز صورتها كوسيط عالمي.

فلسطينيون نازحون يسيرون باتجاه شمال غزة بعد عبور معبر نتساريم من جنوب القطاع
فلسطينيون نازحون يسيرون باتجاه شمال غزة بعد عبور معبر نتساريم من جنوب القطاع

تصفية القضية الفلسطينية

وصفت حركة حماس اقتراح ترامب بالعنصري ومحاولة مكشوفة لتصفية القضية الفلسطينية وإنكار حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة.

وشددت حماس في بيان، على أن شعب غزة أحبط خطط التهجير تحت القصف الإسرائيلي منذ أكثر من 15 شهرًا، ولن يقبل بأي خطط تستهدف اقتلاعه من وطنه.

وأكدت أن الفلسطينيين سيظلون متمسكين بأرضهم ولن يقبلوا بخطة تهجيرهم مهما كلف الأمر.

غزة للفلسطينيين

وقال المبعوث الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور، إن قطاع غزة للفلسطينيين وحتى إذا دمر جزء منه، فإن أهله ما زالوا يختارون العودة.

وأشار منصور عبر موقع إكس، إلى عودة أكثر من 400 ألف فلسطيني مؤخرًا إلى شمال غزة في غضون أيام على الرغم من الدمار هناك.

وأضاف أن الفلسطينيين يريدون إعادة بناء غزة، لأن هذا هو المكان الذي ينتمون إليه ويحبون العيش فيه، وعلى العالم أن يحترم رغبات الشعب الفلسطيني.

جريمة حرب

وقال الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي، إن جميع الفلسطينيين بلا استثناء يرفضون تماما اقتراح ترامب الذي ينتهك القانون الدولي بشكل كامل ويمثل دعوة للتطهير العرقي وهو ما يشكل جريمة حرب.

وأضاف البرغوتي، في بيان، أن مقترح تهجير سكان غزة يعكس جهلًا خطيرًا بتاريخ الشعب الفلسطيني، وما فشل الاحتلال العسكري الإسرائيلي في تحقيقه من خلال قصفه الإجرامي وجرائم الإبادة الجماعية في غزة لن يتحقق من خلال الضغوط السياسية.

انتهاك خطير للقانون الدولي

وعبّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عن رفضه الشديد دعوات الاستيلاء على قطاع غزة وتهجير الفلسطينيين خارج وطنهم، مؤكدًا أنها تمثل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي.

وشدد عباس، في بيان، على أن السلام والاستقرار لن يتحقق في المنطقة، دون إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس على حدود 4 يونيو1967، على أساس حل الدولتين.

وأكد أن الشعب الفلسطيني لن يتنازل عن أرضه وحقوقه ومقدساته، وأن قطاع غزة هو جزء أصيل من أرض دولة فلسطين إلى جانب الضفة الغربية، والقدس الشرقية المحتلة.

وطالب عباس، هيئة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي بتحمل مسؤولياتهما والتحرك العاجل من أجل حماية قرارات الشرعية الدولية المجمع عليها، وحماية الشعب الفلسطيني والحفاظ على حقوقه غير القابلة للتصرف، وحقه في تقرير مصيره وبقائه على أرض وطنه، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض دولة فلسطين بعاصمتها القدس الشرقية.

حل الدولتين

وقال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، إنه لا يمكن التوصل إلى تسوية في الشرق الأوسط إلا على أساس حل الدولتين، مشددًا على أن ذلك هو الحل الوحيد الممكن.

ورفض وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، اقتراح ترمب بشأن غزة، مؤكدًا أن أي خطط تجعل الفلسطينيين خارج المعادلة ستؤدي إلى المزيد من الصراع.

وقال فيدان أن تركيا ستراجع الخطوات التي اتخذتها ضد إسرائيل، وهي وقف التجارة واستدعاء سفيرها، إذا توقف قتل الفلسطينيين وتغيرت ظروفهم.

وزير الخارجية بدر عبد العاطي ورئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى
وزير الخارجية بدر عبد العاطي ورئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى

وأكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي، دعم مصر الكامل للحكومة الفلسطينية وخططها الإصلاحية، مشددًا على أهمية تمكين السلطة الفلسطينية سياسيًا واقتصاديًا، وتولي مهامها في قطاع غزة باعتباره جزءًا من الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وشدد عبد العاطي، على دعم مصر الحقوق المشروعة غير القابلة للتصرف الشعب الفلسطيني، مؤكدًا ضرورة السعي نحو التوصل إلى حل سياسي دائم وعادل للقضية الفلسطينية من خلال حل الدولتين، وإقامة دولة مستقلة على خطوط 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وأعلن رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز، أن حكومته تؤيد حل الدولتين في الشرق الأوسط، وترفض سيطرة الولايات المتحدة على قطاع غزة.

وقال ألبانيز، في مؤتمر صحفي، إن موقف أستراليا هذا الصباح هو نفسه ما كان في العام الماضي، الحكومة الأسترالية تؤيد حل الدولتين.

زعزعة استقرار المنطقة

 أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية، كريستوف لوموان، في بيان، أن فرنسا تكرر معارضتها لأي تهجير قسري للسكان الفلسطينيين في غزة.

وشدد على أن اقتراح ترامب من شأنه أن يشكل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي، وهجومًا على التطلعات المشروعة للفلسطينيين، ويعد أيضا عقبة رئيسية أمام حل الدولتين، وعاملًا رئيسيًا لزعزعة استقرار شريكينا المقربين، مصر والأردن، والمنطقة بأسرها أيضًا.

وأضاف أن مستقبل غزة يجب ألا يكون في إطار سيطرة دولة ثالثة، بل في إطار دولة فلسطينية مستقبلية.

وقال وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، إنه يجب ضمان أن يكون للفلسطينيين مستقبل في وطنهم.

وشدد لامي، في مؤتمر صحفي، خلال زيارة إلى أوكرانيا، على أنه لا بد أن نشهد وجود دولتين، يجب أن نرى الفلسطينيين يعيشون ويزدهرون في وطنهم في غزة والضفة الغربية.

وأكد وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، أن قطاع غزة هو أرض الفلسطينيين، ويجب أن يبقى السكان فيها.

وأضاف ألباريس، أن غزة جزء من الدولة الفلسطينية المستقبلية التي تدعمها إسبانيا، ولا سبيل إلا بحل الدولتين. 

وقال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، إن اقتراح ترمب بتهجير الفلسطينيين خارج قطاع غزة، والسيطرة على القطاع الذي مزقته الحرب ليس منطقيًّا.

وأضاف دا سيلفا، أين يعيش الفلسطينيون؟ هذا أمر لا يمكن لأي إنسان أن يفهمه، الفلسطينيون هم الذين يتعين عليهم الاهتمام بغزة.

وقالت وزيرة الخارجية الألمانية، أنالينا بيربوك، إن قطاع غزة ملك للفلسطينيين، وإن طردهم منه سيكون غير مقبول، ويتعارض مع القانون الدولي.

وذكرت بيربوك، في بيان، أن هذا من شأنه أيضًا أن يؤدي إلى معاناة جديدة وكراهية جديدة، ويجب ألا يكون هناك حل يتجاهل الفلسطينيين.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

هجوم أمريكي

وأبدى نواب ديمقراطيون صدمتهم إزاء اقتراح ترامب بالاستيلاء على غزة، وانتقدوا ما قد تعنيه مثل هذه الخطة بالنسبة للقوات الأمريكية والمدنيين الفلسطينيين.

وقال النائب إريك سوالويل (من كاليفورنيا)، إن هذا الاقتراح كان مثل نكتة سيئة، إن الغزو الأمريكي لغزة من شأنه أن يؤدي إلى قتل الآلاف من الجنود الأمريكيين وعقود من الحرب في الشرق الأوسط.

لكن سوالويل أضاف أنه يشك في إمكانية تنفيذ الاقتراح، ووصفه بأنه يصرف الانتباه عن أمور أخرى في واشنطن.

تطهير عرقي

وقال السيناتور كريس فان هولن (ماريلاند)، إن هذا الاقتراح من شأنه يعمل على تقويض شركائنا العرب في المنطقة.

ووصفت النائبة رشيدة طليب (ميشيجان)، اقتراح ترامب بتهجير سكان غزة بأنه تطهير عرقي مرفوض، وانتهاك صارخ للقانون الدولي.

وقالت طليب، إنه على ما يرام تمامًا في قطع التمويل الفيدرالي عن الأمريكيين العاملين بينما يستمر تدفق التمويل للحكومة الإسرائيلية.

وفي حين أعرب العديد من المشرعين الجمهوريين عن دعمهم لاقتراح ترامب، لم يتقبله كل المحافظين.

عبّر السيناتور جوش هاولي (من ولاية ميسوري) أنه لا يعتقد بأن إنفاق الكثير من الأموال في غزة هو أفضل استخدام لموارد الولايات المتحدة، ويفضل إنفاق هذه الأموال في الولايات المتحدة أولًا.

وقال السيناتور ليندسي جراهام (من ساوث كارولينا)، حليف ترامب، إن الفكرة قد تكون إشكالية، معظم سكان ولاية كارولينا الجنوبية ربما لا يرغبون في إرسال أمريكيين للسيطرة على غزة.

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني على طول شارع الرشيد الساحلي في غزة
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني على طول شارع الرشيد الساحلي في غزة

صراع لعقود من الزمن

جلب السؤال حول من يسيطر على غزة موجات من الصراع إلى المنطقة لعقود من الزمن، ويؤكد اقتراح ترامب بأن تتولى الولايات المتحدة السيطرة على القطاع على هذا التاريخ الطويل.

اقترح ترامب أن تتخذ الولايات المتحدة موقف ملكية طويل الأمد بشأن غزة، وهو نهج مختلف جذريا عما شهدته غزة في تاريخها.

كانت غزة جزءًا من الإمبراطورية العثمانية قبل أن تحتلها بريطانيا من عام 1918 إلى عام 1948.

وخلال حرب عام 1967 استولت إسرائيل على غزة والضفة الغربية، واليوم يطالب الفلسطينيون بهذه الأراضي التي يأملون أن تصبح جزءًا من دولة مستقلة.

سيطرت إسرائيل على غزة لمدة 38 عامًا، استمرت خلالها التوترات والعنف، حتى أقرت اتفاقيات أوسلو عام 1993 حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وتولى الفلسطينيون السيطرة كسلطة حكومية على غزة عام 1994.

وتخلت إسرائيل عن السيطرة على غزة تحت الضغط المحلي والدولي بعد 11 عامًا، وسحبت 9000 مستوطن وقوات عسكرية إسرائيلية.

وصلت حركة حماس، أحد الحزبين السياسيين الرئيسيين في الأراضي الفلسطينية، إلى السلطة في غزة بعد فوزها في انتخابات عام 2006، ولم تُعقد أي انتخابات منذ ذلك الحين.

ورغم تخلي إسرائيل عن السيطرة على غزة، إلا أنها فرضت حصارًا بريًا وجويًا وبحريًا على القطاع منذ عام 2007، بحجة أن الحصار أبقى على السيطرة على حدود غزة، ومنع حماس من تعزيز قوتها، وحمى الإسرائيليين. 

وكانت النتيجة مدمرة للفلسطينيين، حيث دمر الحصار اقتصاد غزة، وتسبب في دمار واسع النطاق، وترك معظم الناس معزولين إلى حد كبير عن العالم الخارجي.

وبدعم أمريكي، ارتكبت إسرائيل بين 7 أكتوبر 2023 و19 يناير 2025، إبادة جماعية بغزة خلفت أكثر من 159 ألف شهيد وجريح من الفلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 14 ألف مفقود.

تم نسخ الرابط